عبد الملك الجويني

319

نهاية المطلب في دراية المذهب

أيضاً قصاصاً ، فالبداية بإجراء القصاص في الطرف ، ولا فرق بين أن يتقدم استحقاقه للقصاص وبين أن يتأخر ، فإن المرعي في هذا الباب ألا نفوّتَ على ذي حق حقاً ، وهذا لا يُتلقى من الترتيب في الاستحقاق ، والدليل عليه أنا نقدم حدّ الله تعالى في الاستيفاء إذا كان دون النفس على القتل المستحَق قصاصاً ، وإن كان حق الآدمي في العقوبة مقدماً على الحد . والغرض من هذا المساق أن مستحِق الطرف لو عفا عن الطرف ، فالقصاص قائم في النفس ، ولو لم يعف مستحق الطرف ، ولكن كان يؤخر استيفاءَ القصاص ، [ فإجباره ] ( 1 ) على التعجيل محال ، وحمله على [ العفو محال ] ( 2 ) ، وتفويت حقِّه بتسليط مستحق النفس على القتل لا وجه له . وينتظم من هذا المجموع أن من يستحق أنملة من إنسان يتسبب إلى تأخير القصاص في نفسه ، وإنما فرضنا في القصاص ، ( 3 لأن حق الله تعالى يعجل ، والإمام محمول عليه ، وهذا لا يتحقق في القصاص ؛ فإن مستحق الطرف في القصاص 3 ) ، لا يُحَثُّ على [ الاستيفاء ] ( 4 ) ولا يؤمر بالعفو ، ولا نفوِّت حقّه ، ولكن مستحق النفس لو ابتدر ، وقتل ، وقع القصاص في النفس موقعه ، ويسقط القصاص في الطرف لفوات المحل وآل أمر مستحِق الطرف إلى المال ، وما ذكرناه فيه إذا كانت العقوبات حقوقاً للآدميين . 11195 - فأما إذا اجتمعت عقوبات لله تعالى ، كحد الشرب ، وحد الزنا بالجلد ، وقطع اليد ، والقتل في الحرابة ، فلا بد من البداية بالأخف منها ، وهذا الترتيب مستحَق ، فإنا إذا فعلنا ذلك ، وضممنا إليه الإمهال بين العقوبتين ، كان ذلك مسهِّلاً طريق إقامة الحدود ، مانعاً من الفوات في البعض ، ثم إذا حددناه للشرب ،

--> ( 1 ) زيادة من ( ت 4 ) . ( 2 ) في الأصل : " وحمله على العقوبات ، وتفويت . . . إلخ " . ( 3 ) ما بين القوسين ساقط من ( ت 4 ) . ( 4 ) في الأصل : " استيفاء " ، والمثبت من ( ت 4 ) .